الدور الوظيفي للإمارات في ليبيا: من دعم الانقلاب العسكري إلى هندسة التفكك الجيوسياسي

شارك هذا المقال

الدور الوظيفي للإمارات في ليبيا:

من دعم الانقلاب العسكري إلى هندسة التفكك الجيوسياسي

دراسة تحليلية رقمية شاملة

مقدمة:

التدخل بوصفه استراتيجية لا حدثاً:

منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، دخلت ليبيا مرحلة انتقالية معقدة، اتسمت بتعدد الفاعلين السياسيين والعسكريين، وتفكك المؤسسات، وتداخل العوامل الداخلية والإقليمية والدولية. غير أن ما شهدته البلاد لاحقاً لم يكن مجرد ارتباك انتقالي طبيعي عقب سقوط نظام سلطوي طويل الأمد، بل تحوّل تدريجياً إلى ساحة صراع مفتوح تغذيه تدخلات خارجية ممنهجة، كان الدور الإماراتي أحد أبرز محركاتها وأكثرها تأثيراً.

تتعامل هذه الدراسة مع التدخل الإماراتي في ليبيا بوصفه مشروعاً استراتيجياً متكاملاً، لا مجرد دعم سياسي أو عسكري لطرف محلي. فالتدخل لم يكن عابراً أو تكتيكياً، بل جاء في سياق رؤية إقليمية أوسع تهدف إلى إعادة هندسة المجالين السياسي والأمني في المنطقة العربية، عبر تفكيك الدول المركزية، ودعم الفاعلين العسكريين المحليين، وإنتاج أنماط حكم هجينة تقوم على المليشياوية، والانقسام، وإدارة الفوضى بدل احتوائها.

تنطلق هذه الدراسة من تحليل تراكمي للوقائع الميدانية، والتقارير الأممية، والتحقيقات الصحفية الدولية، والتسريبات الدبلوماسية، إلى جانب تحليل رقمي معمق للفضاء الإعلامي والمنصات الاجتماعية، من أجل بناء صورة شاملة ودقيقة لطبيعة وأبعاد الدور الإماراتي في ليبيا.

أولاً: الإطار المفاهيمي – التدخل الوظيفي لا التحالفي

يمكن توصيف الدور الإماراتي في ليبيا بوصفه تدخلاً وظيفياً، أي تدخلاً لا يهدف إلى دعم الدولة الليبية أو استعادة مؤسساتها، بل يسعى إلى إنتاج توازن قوى يخدم مصالح خارجية بعيدة المدى، حتى لو كان ذلك على حساب وحدة الدولة واستقرارها.

في هذا الإطار، لم تتعامل الإمارات مع ليبيا باعتبارها دولة ذات سيادة ينبغي دعم مسارها الانتقالي، بل باعتبارها ساحة نفوذ جيوسياسي واقتصادي وأمني، تُدار عبر وكلاء محليين، وتُستثمر مواردها وموانئها وموقعها الجغرافي في خدمة مشاريع إقليمية أوسع.

هذا النمط من التدخل يشبه إلى حد بعيد النموذج الذي انتهجته الإمارات في اليمن والسودان، حيث تقوم الاستراتيجية على:

•      دعم الفاعلين العسكريين المحليين خارج إطار الدولة.

•      بناء تشكيلات مسلحة موازية.

•      السيطرة غير المباشرة على الموانئ والمواقع الاستراتيجية.

•      إدامة حالة الانقسام السياسي.

•      تعطيل أي مسار وطني جامع.

ثانياً: المسار الزمني للتدخل الإماراتي في ليبيا

1. مرحلة ما بعد الثورة (2011 – 2013)

مع سقوط نظام القذافي، ظهرت بوادر اهتمام إماراتي مبكر بإعادة تشكيل المشهد الليبي، عبر:

•      بناء علاقات مع رموز النظام السابق.

•      دعم شخصيات سياسية وعسكرية مناهضة للتيارات الثورية والإسلامية.

•      الاستثمار في الفضاء الإعلامي لتوجيه الرأي العام الليبي.

2. مرحلة عسكرة التدخل (2014 – 2019)

تمثل هذه المرحلة الذروة العسكرية للتدخل الإماراتي، حيث:

•      دعمت أبو ظبي اللواء المتقاعد خليفة حفتر في عملياته العسكرية.

•      نفذت طائرات إماراتية غارات جوية انطلاقاً من قواعد مصرية.

•      تم تهريب أسلحة نوعية في خرق صريح لحظر السلاح الأممي.

•      جرى إنشاء غرف عمليات مشتركة، وتقديم دعم استخباراتي مباشر.

3. مرحلة إعادة التموضع (2020 – حتى الآن)

بعد فشل حفتر في السيطرة على طرابلس، أعادت الإمارات تموضعها عبر:

•      تعزيز النفوذ السياسي والدبلوماسي.

•      الاستثمار في أدوات الاقتصاد والطاقة والموانئ.

•      توسيع الحضور في الشرق الليبي.

•      العمل على فرض تسويات سياسية تضمن استمرار نفوذ حلفائها.

ثالثاً: الأدوات الإماراتية في ليبيا

1. الأداة العسكرية

•      تنفيذ غارات جوية مباشرة.

•      تزويد قوات حفتر بطائرات مسيّرة ومنظومات دفاع جوي.

•      تدريب وتسليح وحدات قتالية.

•      إنشاء قواعد عسكرية غير معلنة.

2. الأداة الاستخباراتية

•      تشغيل شبكات تجسس.

•      اختراق مؤسسات أمنية ليبية.

•      دعم عمليات الرصد والاستهداف.

•      إدارة عمليات التأثير النفسي والإعلامي.

3. الأداة السياسية

•      دعم برلمان طبرق.

•      توجيه المسارات التفاوضية.

•      التأثير في مواقف بعض الوسطاء الدوليين.

•      تمويل شخصيات سياسية وإعلامية.

4. الأداة الاقتصادية

•      الاستثمار في النفط والغاز.

•      التحكم بمسارات تصدير النفط.

•      إدارة حسابات مالية خارج ليبيا.

•      التغلغل في قطاع الموانئ.

5. الأداة الإعلامية والرقمية

•      تشغيل شبكات إعلامية عربية ودولية.

•      حملات رقمية ممنهجة.

•      ترويج سردية “مكافحة الإرهاب”.

•      شيطنة القوى الثورية والسياسية المدنية.

رابعاً: خرق القانون الدولي والقرارات الأممية

تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن الإمارات انتهكت بصورة متكررة وصريحة قرارات مجلس الأمن المتعلقة بحظر توريد السلاح إلى ليبيا.

أبرز مظاهر الخرق:

•      شحنات أسلحة موثقة: إدخال شحنات أسلحة ثقيلة ومتوسطة عبر الجو والبحر، موثقة بتقارير أممية وصور أقمار صناعية.

•      نقل طائرات حربية ومسيّرات: تزويد قوات حفتر بطائرات مسيّرة ومنصات هجومية متقدمة نفذت غارات مباشرة ضد أهداف مدنية وعسكرية.

•      تشغيل قواعد عسكرية خارج الإطار القانوني: إنشاء وتشغيل قواعد جوية سرية داخل ليبيا ودول مجاورة، بعيداً عن أي غطاء قانوني أو دولي.

•      تمويل مليشيات محلية: تقديم دعم مالي وتسليحي منتظم لمليشيات محلية لتعزيز الانقسام المسلح وإضعاف مؤسسات الدولة الرسمية.

التوصيف القانوني:

وفق القانون الدولي، فإن هذه الأفعال تمثل:

•      انتهاكاً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة.

•      خرقاً مباشراً لقرارات ملزمة دولياً.

•      أفعالاً قد ترقى إلى مسؤولية دولية وجنائية.

خامساً: البعد الجيوسياسي – ليبيا في الاستراتيجية الإماراتية الإقليمية

تمثل ليبيا بالنسبة للإمارات:

•      بوابة استراتيجية على المتوسط.

•      حلقة وصل بين شمال إفريقيا والقرن الإفريقي.

•      نقطة ارتكاز في مشروع السيطرة على الموانئ.

•      مدخلاً رئيسياً إلى ثروات الطاقة.

الموانئ:

سعت الإمارات للسيطرة على:

•      ميناء بنغازي.

•      موانئ الهلال النفطي.

•      مرافق تصدير النفط شرق ليبيا.

الطاقة:

•      الاستثمار في الغاز والنفط.

•      التحكم بخطوط الإمداد.

•      توظيف الثروة الطاقية في الصراع الجيوسياسي مع تركيا وأوروبا.

الحزام والطريق:

ترى الإمارات في ليبيا محطة مهمة في مشروع “الحزام والطريق” الصيني، بما يضمن لها:

•      دوراً محورياً في التجارة العالمية.

•      نفوذاً لوجستياً واسعاً.

•      قدرة على التحكم بخطوط الملاحة.

سادساً: التحليل الرقمي للفضاء الإعلامي

أجرى المركز الإقليمي لرصد الفضاء الرقمي تحليلاً واسعاً جاءت نتائجه على النحو التالي:

تغريدات منصة X

•      التغريدات المعارضة للتدخل الإماراتي في ليبيا: 2,159,239 تغريدة (89.48%)

•      التغريدات المؤيدة للتدخل الإماراتي في ليبيا: 252,988 تغريدة (10.52%)

•      ملاحظة: يشمل هاشتاغات بالعربية والإنجليزية، وتُظهر البيانات هيمنة واضحة للسردية المعارضة.

منشورات منصات Facebook / Instagram / LinkedIn

•      المنشورات المعارضة للتدخل الإماراتي في ليبيا: 1,366,747 منشوراً (77.24%)

•      المنشورات المؤيدة للتدخل الإماراتي في ليبيا: 402,549 منشوراً (22.76%)

•      ملاحظة: المحتوى المعارض يحظى بتفاعل وانتشار أعلى بشكل ملحوظ.

فيديوهات منصات TikTok / YouTube Shorts

•      الفيديوهات المعارضة للتدخل الإماراتي في ليبيا: 731,388 فيديو، 1.8 مليار مشاهدة (78.64%)

•      الفيديوهات المؤيدة للتدخل الإماراتي في ليبيا: 198,954 فيديو، 499 مليون مشاهدة (21.36%)

•      ملاحظة: المحتوى المعارض يحقق معدلات مشاهدة تفوق المؤيد بأكثر من 3.4 أضعاف.

المقالات والتقارير الصحفية والتحقيقات

•      المواد المعارضة للتدخل الإماراتي في ليبيا: 856,139 مادة (91.76%)

•      المواد المؤيدة للتدخل الإماراتي في ليبيا: 76,924 مادة (8.24%)

•      ملاحظة: تركّز المواد المعارضة على الانتهاكات، وتفكيك الدولة، والتأثيرات الإنسانية.

التصريحات الرسمية والبيانات الدولية

•      التصريحات المعارضة للتدخل الإماراتي في ليبيا: 2,116 بياناً (84.61%)

•      التصريحات المؤيدة للتدخل الإماراتي في ليبيا: 385 بياناً (15.39%)

•      ملاحظة: الغالبية الساحقة من البيانات الدولية تتجه نحو الإدانة والنقد المباشر.

الصور الثابتة والإنفوجرافيك

•      الصور المعارضة للتدخل الإماراتي في ليبيا: 871,543 صورة وإنفوجرافيك (85.92%)

•      الصور المؤيدة للتدخل الإماراتي في ليبيا: 142,958 صورة وإنفوجرافيك (14.08%)

•      ملاحظة: المحتوى المعارض يُعاد نشره بمعدلات تتراوح بين 4 – 6 مرات أكثر من المؤيد.

أبرز الوسوم:

•      #الإمارات_تدمر_ليبيا

•      #UAE_In_Libya

•      #Stop_UAE_Intervention

•      #HandsOffLibya

التحليل الكيفي:

•      المحتوى المعارض يركز على:

o      الضحايا المدنيين

o      تدمير البنية التحتية

o      انتهاك السيادة

•      المحتوى المؤيد يركز على:

o      خطاب “مكافحة الإرهاب”

o      تبرير التدخل

o      تحميل الفوضى للعوامل الداخلية فقط

سابعاً: ليبيا في السياق المقارن – اليمن والسودان نموذجاً

عند مقارنة السلوك الإماراتي في ليبيا بما جرى في اليمن والسودان، تتضح بنية استراتيجية واحدة:

#البُعدليبيااليمنالسودان
 1دعم المليشياتحفترالمجلس الانتقاليالدعم السريع
 2السيطرة على الموانئالهلال النفطيعدن – المخا – سقطرىبورتسودان
 3تعطيل الدولةنعمنعمنعم
 4الانتهاكاتموثقةموثقةموثقة
 5إدارة الفوضىنعمنعمنعم

هذا النمط يؤكد أن ما يجري ليس مجرد سياسات متفرقة، بل مشروع إقليمي متكامل لإعادة هندسة الفضاء العربي عبر تفكيك الدول من الداخل.

ثامناً: التداعيات الإقليمية والدولية

1. على ليبيا:

•      إطالة أمد الحرب.

•      تعميق الانقسام.

•      تفكيك المؤسسات.

•      تدمير الاقتصاد.

2. على الإقليم:

•      زعزعة استقرار شمال إفريقيا.

•      تصعيد الصراع شرق المتوسط.

•      توتير العلاقات العربية – العربية.

3. على الإمارات:

•      تآكل الصورة الدولية.

•      تصاعد الانتقادات الحقوقية.

•      مخاطر العقوبات.

•      فقدان المصداقية السياسية.

تاسعاً: التوصيف الاستراتيجي للدور الإماراتي

يمكن توصيف الدور الإماراتي في ليبيا بأنه:

دور تخريبي وظيفي، يستثمر في الفوضى، ويغذي الانقسام، ويعيد إنتاج أنماط الحكم المليشياوي، بهدف بناء نفوذ طويل الأمد على حساب الدولة الوطنية.

عاشراً: الاستنتاجات الكبرى

1.    التدخل الإماراتي في ليبيا ليس طارئاً بل ممنهجاً واستراتيجياً.

2.    يقوم على دعم الانقلاب العسكري وإجهاض المسار الديمقراطي.

3.    يمثل خرقاً صارخاً للقانون الدولي.

4.    ينسجم مع نمط إقليمي متكرر في اليمن والسودان ودول أخرى.

5.    أسهم بشكل مباشر في تفكيك الدولة الليبية.

6.    عمّق الانقسام وأطال أمد الحرب.

7.    ألحق أضراراً جسيمة بالاستقرار الإقليمي.

8.    خلق بيئة صراع دائم تخدم مشاريع النفوذ الخارجية.

خاتمة استراتيجية:

التدخل الذي يصنع الفوضى لا الاستقرار

تكشف هذه الدراسة أن الدور الإماراتي في ليبيا لم يكن يوماً موجهاً نحو تحقيق الاستقرار أو دعم الدولة، بل اتجه بصورة منهجية نحو إدارة الصراع، وتغذية الانقسام، وتحويل ليبيا إلى ساحة نفوذ مفتوحة.

إن استمرار هذا الدور لا يهدد ليبيا وحدها، بل يهدد أمن شمال إفريقيا، واستقرار المتوسط، والتوازن الإقليمي بأكمله، وهو ما يستدعي مراجعة دولية جادة، ومساءلة قانونية واضحة، قبل أن تتحول ليبيا إلى نموذج دائم للفوضى المُدارة إقليمياً.

👈 تحميل التقرير كاملاً (PDF)…

إعداد:

المركز الإقليمي لرصد الفضاء الرقمي

بيروت – لبنان | فبراير 2026

المركز الإقليمي لرصد الفضاء الرقمي – DIGISCOPE

المقر الرئيس: بيروت – لبنان

المركز الإقليمي لرصد الفضاء الرقمي مؤسسة بحثية وتحليلية متخصصة تُعنى بمتابعة التحولات داخل البيئة الرقمية وتحليلها على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.

عناوين التواصل:

البريد الالكتروني:

ربما يعجبك أيضاً