لم يعد الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية مجرّد سياسة إسكان أو توسّع عمراني مرتبط باعتبارات ديمغرافية آنية، بل تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى مشروع دولة متكامل، يهدف إلى إعادة هندسة الجغرافيا، وتفكيك المجال الفلسطيني، وإعادة تشكيل السياسة عبر فرض وقائع مادية وقانونية يصعب التراجع عنها.
يكشف هذا التحليل الرقمي، استناداً إلى باحثينا الميدانيين ومعطيات موثّقة حتى نهاية عام 2025 مع بدايات 2026، عن قفزة نوعية وغير مسبوقة في وتيرة الاستيطان، سواء من حيث عدد المستوطنين، أو حجم الوحدات السكنية، أو انتشار البؤر الاستيطانية، أو آليات الشرعنة والضمّ الزاحف. وهي قفزة لا يمكن فصلها عن تحوّل الاستيطان من سياسة خلافية قابلة للتفاوض، إلى أداة مركزية لإعادة تشكيل الواقع السياسي برمّته.
الاستيطان – الإطار المفاهيمي والتاريخي:

يُقصد بالاستيطان في الضفة الغربية نقل سكان مدنيين إسرائيليين، بدعم مباشر من سلطة الاحتلال الإسرائيلي، إلى أراضٍ فلسطينية محتلة منذ عام 1967، في انتهاك صريح لقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما المادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة.
وقد تبلور المشروع الاستيطاني عبر ثلاث مكونات مترابطة:
1. مستوطنات رسمية معترف بها من الحكومة الإسرائيلية، تتمتع ببنى إدارية مستقلة، وميزانيات خاصة، ونظام قانوني مدني.
2. بؤر استيطانية غير مرخّصة، تُقام غالباً دون قرارات رسمية من الحكومة الإسرائيلية، قبل أن تُشرعن لاحقاً عبر أوامر عسكرية أو قرارات حكومية إسرائيلية.
3. بنية تحتية موازية تشمل طرقاً التفافية، وحواجز، وجدار الفصل، ومناطق عازلة، تعمل مجتمعة على تفتيت الجغرافيا الفلسطينية وإعادة تشكيل المجال الحيوي للضفة الغربية.
منذ عام 1967، استخدمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي أدوات قانونية ملتوية، مثل تصنيف الأراضي كـ”أراضي دولة” أو “مناطق احتياجات أمنية”، لتبرير المصادرة والبناء، قبل أن تتحول هذه السياسة في العقد الأخير إلى ضمّ فعلي متدرّج دون إعلان رسمي.
ثانياً: الخريطة الرقمية للاستيطان (2025–2026)

1. عدد المستوطنات والبؤر الاستيطانية
تشير أحدث التقديرات إلى:
• ارتفاع عدد المستوطنات المعترف بها رسمياً من نحو 127 مستوطنة إلى قرابة 140 مستوطنة بنهاية 2025، نتيجة شرعنة بؤر قائمة.
• عند احتساب البؤر الاستيطانية والمزارع الاستيطانية، يرتفع العدد الإجمالي إلى ما بين 175 و210 مواقع استيطانية، وفق اختلاف منهجيات الرصد.
• توثيق أكثر من 151 بؤرة استيطانية غير مرخّصة، إضافة إلى 175 بؤرة زراعية، تُستخدم كأداة فعّالة للسيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية.
تعكس هذه الأرقام انتقال الاستيطان من نمط “الكتل الكبرى” إلى نمط الانتشار الشبكي الذي يخترق العمق الريفي الفلسطيني ويعيد رسم السيطرة الميدانية.
2. عدد المستوطنين: نمو ديموغرافي متسارع:
• تجاوز عدد المستوطنين في الضفة الغربية (باستثناء القدس المحتلة) 730 ألف مستوطن مع نهاية 2025 وبداية عام 2026.
• تسجيل نسبة نمو سنوية تقارب 8% مقارنة بعام 2024، وهي من أعلى المعدلات خلال العقدين الأخيرين.
• للمقارنة، بلغ عدد المستوطنين عام 2020 نحو 680 ألفاً، ما يعني زيادة تقارب 50 ألف مستوطن خلال خمس سنوات.
ولا يعكس هذا النمو تكاثراً طبيعياً فحسب، بل هو نتيجة سياسات جذب ممنهجة تشمل الدعم المالي، والإعفاءات الضريبية، وتوفير بنية خدمية متقدمة داخل المستوطنات.
3. الوحدات السكنية: أرقام قياسية
يُعد عام 2025 الأعلى تاريخياً من حيث الموافقات الاستيطانية:
• المصادقة على خطط بناء أو طرح عطاءات لنحو 47 ألف وحدة سكنية، مقارنة بنحو 26 ألف وحدة في 2024.
• اعتماد أكثر من 28 ألف وحدة سكنية في عام واحد، وهو أعلى رقم مسجّل حتى وفق بيانات جهات رقابية إسرائيلية.
ويشير هذا التسارع إلى تحوّل الاستيطان إلى سياسة طوارئ دائمة، لم تعد خاضعة فعلياً للضغوط الدولية التقليدية.
ثالثاً: كيف يتمدد الاستيطان؟ آليات السيطرة

1. الشرعنة والضمّ الزاحف:
• المصادقة على 19 مستوطنة جديدة خلال 2025، معظمها بؤر قائمة سابقاً.
• فصل 13 حياً استيطانياً عن مستوطناتها الأم، وتصنيفها كمستوطنات مستقلة، بما يمنحها مجالس محلية وميزانيات مباشرة.
تمثّل هذه الخطوات ضماً فعلياً غير معلن، يهدف إلى تفادي التبعات القانونية الدولية مع تكريس السيطرة على الأرض.
2. التوسع الجغرافي المدروس
• استهداف مناطق كانت تُعد هامشية استيطانياً، مثل محيط جنين، والأغوار، وجنوب الضفة الغربية.
• الدفع بمشاريع استراتيجية كبرى، أبرزها مخطط E1 شرق القدس، الذي يهدد بفصل شمال الضفة عن جنوبها، وإنهاء أي إمكانية لتواصل جغرافي فلسطيني مستقبلي.
رابعاً: الاستيطان كسياسة دولة
شهدت السنوات الأخيرة تحولاً نوعياً في إدارة المشروع الاستيطاني:
• نقل صلاحيات جوهرية من الحاكم العسكري إلى وزراء سياسيين داخل وزارة الدفاع الإسرائيلية.
• إنشاء إدارة مدنية موازية للمستوطنين، مقابل نظام عسكري صارم للفلسطينيين.
وقد أفرز هذا الواقع نظامين قانونيين متوازيين على الأرض نفسها:
قانون مدني للمستوطنين، وقانون عسكري للفلسطينيين، وهو ما ينسجم مع توصيف نظام الفصل العنصري (Apartheid) في القانون الدولي.
خامساً: التمويل – العمود الفقري للمشروع الاستيطاني

1. الشركات العالمية
• إدراج 158 شركة في قاعدة بيانات أممية تنشط في المستوطنات ودعمها.
• تشمل شركات كبرى في مجالات السياحة، والعقارات، والتكنولوجيا، والبنية التحتية.
2. القطاع المصرفي
• سبعة مصارف إسرائيلية كبرى تموّل البناء الاستيطاني عبر القروض والتسهيلات.
• شراكات غير مباشرة مع بنوك وشركات تأمين أوروبية.
3. التمويل الخارجي
• تبرعات بمئات ملايين الدولارات من منظمات وشخصيات في الولايات المتحدة وأوروبا.
• تمويل مباشر لجمعيات استيطانية، ولدعم عائلات مستوطنين مدانين بجرائم عنف.
وبالتالي فإن التمويل هنا يُعدّ استثماراً سياسياً–أيديولوجياً طويل الأمد.
سادساً: الاستيطان والانقسام الداخلي والدولي

يكشف الرصد الرقمي أن الاستيطان لا يحظى بإجماع إسرائيلي أو دولي:
• داخل إسرائيل، ينقسم المجتمع بين تيار قومي–ديني يرى في الاستيطان جوهر المشروع الصهيوني، وتيار مدني–حقوقي يعتبره خطراً أخلاقياً وسياسياً.
• دولياً، تُجمع غالبية الدول على عدم قانونية المستوطنات الإسرائيلية المقاومة على الأراضي الفلسطينية، فيما تميل أقلية إلى مواقف أقل نقداً أو أكثر دعماً سياسياً لإسرائيل.
هذا الانقسام لا يوقف المشروع الاستيطاني، لكنه يؤكد طبيعته الخلافية وغير الشرعية.
كما ويكشف التحليل الرقمي للاستيطان في الضفة الغربية أن ما يجري هو مشروع دولة متكامل يقوم على:
• أرقام قياسية في البناء والانتشار.
• منظومة قانونية مزدوجة.
• شبكة تمويل دولية معقّدة.
• غطاء سياسي يتسم بجرأة غير مسبوقة.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح تفكيك الاستيطان – أو حتى تجميده – مهمة بالغة التعقيد، ما لم تُواجَه هذه المنظومة بأدوات قانونية وإعلامية ورقمية قادرة على تحويل الأرقام إلى أدلة إدانة، والسرديات إلى وقائع، والفضاء الرقمي إلى ساحة مساءلة حقيقية.
إعداد: المركز الإقليمي لرصد الفضاء الرقمي
يناير 2026
بيروت
