المركز الإقليمي لرصد الفضاء الرقمي - منظار

نقرأ الفضاء الرقمي … لنصنع الوعي

تحليل استراتيجي-المركز الفلسطيني للدراسات السياسية

الملخص التنفيذي

يشكل قرار مجلس الأمن 2803 خطوة مفصلية بعد الحرب على غزة، إذ يقترح ترتيبات انتقالية دولية قد تقلّص الدور الفلسطيني، والقرار غامض في صيغته حول الإدارة الانتقالية، ويوسّع الدور الأممي ويربط الإعمار بالاستقرار الأمني، مع تجاهل الاحتلال، ما يثير إشكالات قانونية وسياسية.

رغم ذلك، يمكن للقرار أن يحدّ من التفرد الإسرائيلي، ويوسع حماية المواطنين العُزل، ويعيد تدويل القضية الفلسطينية، ويشكّل ورقة تفاوضية للفلسطينيين.

في المقابل، يحمل القرار مخاطر شرعنة الاحتلال المؤقت، تحويل غزة إلى إدارة دولية دائمة، إقصاء منظمة التحرير والسلطة، وتعميق الانقسام السياسي والجغرافي.

التوصية الجوهرية: توحيد القرار الوطني الفلسطيني والموقف العربي، وضمان إشراك الفلسطينيين في أي ترتيبات، لتحويل القرار من أداة لإدارة الأزمة إلى مكسب سياسي يعزز السيادة وحقوق المواطنين العُزل.

مقــدمــــة

يشكل قرار مجلس الأمن 2803 محطة بارزة في التعاطي الدولي مع غزة، بعد اتفاق وقف إطلاق النار، إذ يضع المنطقة في قلب ترتيبات سياسية وأمنية جديدة، تحت إشراف دولي متزايد، ويأتي القرار في سياق أزمة إنسانية غير مسبوقة أعقبت الحرب الأخيرة على القطاع، والتي أظهرت هشاشة البنية المدنية والمؤسسية وأثارت ضغطًا عالميًا متناميًا على الكيان الإسرائيلي والدول الكبرى للتحرك.

ويستند القرار إلى مفاهيم الإدارة الانتقالية والحماية الدولية التي طبّقت في سوابق دولية عديدة، مثل كوسوفو والبوسنة وتيمور الشرقية، لكنه في السياق الفلسطيني يحمل أبعادًا فريدة ومعقدة، إذ يطرح تساؤلات حاسمة حول حدود مشاركة الأمم المتحدة والدول العربية، ودرجة احترام القرار لحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، وما إذا كان القرار يمثل خطوة نحو إنهاء الاحتلال أم مدخلاً لإعادة إنتاجه بصيغ جديدة تحت غطاء دولي.

تهدف هذه الورقة إلى تقديم تحليل شامل ومتوازن للقرار، من حيث السياق السياسي والقانوني، الإشكالات التفسيرية، النتائج الإيجابية والسلبية، التداعيات على القضية الفلسطينية والمشهد الإقليمي، وكذلك السيناريوهات المحتملة للمستقبل، كما تسعى الورقة إلى تقديم توصيات لتعزيز الموقف الفلسطيني وحماية الحقوق الوطنية.

أولًا: سياق صدور القرار 2803

  1.  السياق السياسي والدولي

صدر القرار 2803 في لحظة دولية كانت فيها الحرب على غزة قد تحولت إلى أزمة أخلاقية وسياسية عالمية، بعد أن صنّفت جهات أممية وحقوقية ما يجري بأنه قد يكون أسوأ كارثة إنسانية في القرن الحالي.

هذا التوصيف — الذي جاء من مؤسسات ذات مصداقية — خلق ضغطًا شعبيًا متناميًا على الحكومات الغربية، خصوصًا في أوروبا، ودفعها لإعادة النظر في مواقفها التقليدية المنحازة للكيان الإسرائيلي.

في هذا المناخ، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام معادلة دقيقة:

لذلك جاء الدفع الأميركي نحو قرار 2803 كمحاولة لـ إدارة الأزمة وليس لحلّها، وصياغة موقف “وسطي” يحفظ الدور الأميركي في الإقليم، ويستوعب التململ الدولي المتزايد من استمرار الحرب.

2.  السياق الإسرائيلي

على المستوى الإسرائيلي، كان النقاش الداخلي حول “اليوم التالي” قد وصل إلى انسداد سياسي وأمني، ولم يكن هناك تصور موحد لمستقبل غزة، بل مجموعة اتجاهات متضاربة داخل الحكومة والجيش؛ بين من يريد بقاءً عسكريًا مباشرًا، ومن يفضّل ترتيبات أمنية غير مباشرة، ومن يدعو لشكل من الإدارة المدنية المحدودة دون تحمّل مسؤولية الحكم.

وبالتالي، رأت تل أبيب في القرار الدولي — بصيغته الأولية ثم المعدّلة — فرصة لتحقيق ثلاثة أهداف مركزية:

  1. تكريس دور أمني إسرائيلي في غزة عبر فرض ترتيبات انتقالية فضفاضة تسمح لها بحرية العمل العسكري.
  2. التهرب من مسؤوليات الإدارة المدنية التي قد تُعدّ اعترافًا ضمنيًا بإعادة الاحتلال المباشر.
  3. منع عودة السلطة الفلسطينية أو بروز جسم فلسطيني قوي قد ينافس الرؤية الإسرائيلية لمرحلة ما بعد الحرب.

بهذا المعنى، لم تتعامل حكومة الاحتلال مع القرار باعتباره قيدًا، بل كأداة قابلة للتوظيف لإضفاء طابع “شرعية دولية” على وجودها الميداني واستراتيجيتها تجاه غزة.

3.  السياق الأممي

داخل الأمم المتحدة، كان صدور القرار نتاج توازنات شديدة التعقيد. فالأمانة العامة والدول الداعمة لوقف إطلاق النار كانت تحت ضغط الوقائع الإنسانية الكارثية، بينما كانت القوى الكبرى — خاصة الولايات المتحدة — تحاول منع أي صياغة تُفسّر كإدانة واضحة للكيان الإسرائيلي أو كتقييد لنشاطه العسكري.

وفي الوقت نفسه، كانت الدول العربية — ولا سيما المعنية مباشرة بالملف الفلسطيني — تحاول تجنب الانخراط في ترتيبات أمنية أو إدارية تفرض عليها أدوارًا حساسة في غزة، أو تُستخدم لاحقًا لإعادة تشكيل المشهد السياسي الفلسطيني على حساب الفلسطينيين أنفسهم.

لذلك جاء القرار بصيغة تعكس:

ثانيًا: مضمون القرار وإشكالاته التفسيرية

جاء القرار 2803 بصياغة مقصودة الغموض، تُتيح لكل طرف تفسيرات مختلفة تبعًا لمصالحه، وهو أسلوب شائع في القرارات التي تصدر في ظل انقسام دولي حاد، ويمكن تلخيص الإشكالات التفسيرية في أربع نقاط محورية:

  1.  مصطلح “الترتيبات الانتقالية

استخدم القرار مفهومًا فضفاضًا واسع الدلالة، دون تحديد طبيعته أو الجهة التي ستقوده أو مدة سريانه. ويفتح هذا المصطلح الباب أمام عدة احتمالات، من بينها:

إن غياب الإشارة الصريحة إلى دور فلسطيني مركزي يعزز الهواجس من أن يُستخدم هذا المفهوم كأداة لتجاوز الإرادة الفلسطينية أو لإقصاء المؤسسات الفلسطينية القائمة، سواء كانت رسمية أو مجتمعية.

2.  الإشراف الدولي الموسّع

منح القرار الأمم المتحدة تفويضًا واسعًا في مجالات الإغاثة والشؤون المدنية و”الأمن الإنساني”، لكنه لم يحدد:

وبذلك ترك القرار فراغًا كبيرًا يمكن لحكومة الاحتلال أو لقوى دولية أخرى ملؤه بما يتوافق مع تصوراتها، ما يجعل الإشراف الدولي قابلًا للتأويل:

قد يتحول إلى تدخل بنّاء يهدف لحماية المواطنين العُزل، أو إلى آلية لإدارة قطاع غزة دون تمكين الفلسطينيين من السيطرة على شؤونهم.

3.  ربط الإعمار بـ”الاستقرار الأمني”

يُعد هذا البند من أكثر عناصر القرار إشكالًا، لأنه يُحوّل عملية الإعمار — وهي حق إنساني غير مشروط — إلى أداة ضغط سياسي وأمني.

فمفهوم “الاستقرار الأمني” يُترك عادة لتفسير الدولة الأقوى عسكريًا، ما يمنح الكيان الإسرائيلي قدرة شبه مطلقة على تحديد:

وهذه الصياغة تعيد إنتاج نموذج ما بعد حرب 2014، حيث استُخدم الإعمار كوسيلة لفرض معادلات أمنية تخدم تل أبيب وليس احتياجات السكان.

4. تجاهل الاحتلال وعدم المطالبة بإنهائه

يتجنّب القرار بشكل لافت الإشارة إلى الاحتلال أو المطالبة بإنهائه، رغم أن جميع القرارات الأممية المتعلقة بفلسطين تنطلق من مبدأ عدم شرعية الاحتلال.

هذا التجاهل يُعد:

إن حذف مفهوم الاحتلال من النص يُضعف المرجعية القانونية المستقبلية لأي تسوية، ويُعطي مساحة أوسع للكيان الإسرائيلي لفرض رؤيته للأوضاع على الأرض.

ثالثًا: الإشكالات القانونية للقرار

يثير القرار 2803 مجموعة من الإشكالات القانونية العميقة، لكونه يتعامل مع وضع غزة — بصفتها أرضًا محتلة وفق القانون الدولي — من منظور لا ينسجم مع قواعد القانون الإنساني أو قرارات الأمم المتحدة السابقة.

 ويمكن تلخيص أبرز هذه الإشكالات في النقاط الآتية:

  1.  تعارضه مع حق تقرير المصير

ينص القانون الدولي — بما في ذلك ميثاق الأمم المتحدة، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والعهد الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية — على أن حق الشعوب في تقرير مصيرها حق غير قابل للتصرف.

وبذلك فإن فرض “ترتيبات انتقالية” أو هياكل حكم مؤقتة دون موافقة الفلسطينيين وتمثيلهم المباشر يشكل:

القرار، بصيغته الحالية، يسمح نظريًا بإقصاء الفلسطينيين عن صياغة مستقبلهم، وهو ما يجعله موضع طعن قانوني وسياسي على حد سواء.

2. خلق سابقة لإدارة دولية لأرض محتلة

وفق اتفاقية جنيف الرابعة، تتحمل القوة المحتلة كامل المسؤولية عن حماية المدنيين وإدارة شؤونهم.
وبالتالي فإن نقل هذه المسؤوليات إلى:

يشكل التفافًا على الالتزامات القانونية المترتبة على الكيان الإسرائيلي كقوة احتلال.

كما أن قبول المجتمع الدولي، ولو ضمنيًا، بإدارة دولية لغزة بينما تبقى السيطرة العسكرية بيد الكيان الإسرائيلي، يخلق سابقة خطيرة قد تُستخدم في حالات أخرى لتخفيف مسؤوليات قوة الاحتلال عبر تغليفها بـ”إدارة إنسانية” بديلة.

3.  التطبيع مع مفهوم “الاحتلال بغطاء دولي”

الصياغة الغامضة للقرار، وخصوصًا فيما يتعلق بـ”الترتيبات الانتقالية” و”الإشراف الدولي”، تفتح الباب أمام صيغة هجينة تُبقي الاحتلال فعليًا، لكنها تضفي عليه شرعية أو غطاءً أمميًا غير مباشر.
وهذه المقاربة تحمل عدة مخاطر:

إن هذا التحوّل المفاهيمي — من احتلال إلى إدارة انتقالية ذات طابع أممي — يُعد سابقة في الحالة الفلسطينية، وقد يُستخدم لاحقًا لإعادة صياغة الوضع القانوني للأرض بطريقة تخدم المقاربة الإسرائيلية.

رابعًا: الجوانب الإيجابية المحتملة للقرار

على الرغم من المخاطر القانونية والسياسية التي تكتنف القرار 2803، إلا أنه يفتح — في حال حُسن استخدامه — نافذة محدودة يمكن الاستفادة منها فلسطينيًا ودوليًا، ولا تقلّ أهمية الإشارة إلى هذه الجوانب عن الإشارة إلى نقاط الضعف، لأن فهم الفرص هو جزء من بناء استراتيجية مواجهة شاملة. ويمكن تحديد أبرز الإيجابيات في الآتي:

  1. الحدّ من التفرد الإسرائيلي

إن دخول الأمم المتحدة كفاعل مباشر — حتى لو كان ضمن تفويض محدود — يُضعف قدرة حكومة الاحتلال على إدارة مرحلة ما بعد الحرب بطريقة أحادية.

فوجود طرف دولي يتمتع بقدرة رقابية وشرعية قانونية:

ورغم أن هذا الأثر قد يبقى محدودًا، إلا أنه يمثل انزياحًا نسبيًا في ميزان القوى الميداني والقانوني.

2. توسيع حماية المواطنين العُزل وتعزيز المنظومة الإنسانية

القرار يمنح الأمم المتحدة والمؤسسات الإنسانية مظلة أوسع للعمل داخل غزة، خصوصًا في ملفات: (الإغاثة، الصحة، الخدمات الأساسية، حماية البنى المدنية من الاستهداف).

 ورغم أن فاعلية هذا البند ستتوقف على تطبيقه العملي، إلا أن وجود نص أممي يعطي:

3.  إعادة تدويل القضية الفلسطينية

يمثل القرار فرصة لإعادة إدراج القضية الفلسطينية ضمن جدول أعمال مجلس الأمن، بعد سنوات من التراجع السياسي والتهميش لصالح أجندات التطبيع الإقليمي.

فمجرد صدور قرار أممي جديد — حتى وإن كان محدودًا — يساهم في:

هذا “التدويل” مهم لأنه يكسر حالة الفراغ السياسي التي حاولت حكومات الاحتلال المتعاقبة تثبيتها منذ سنوات.

4.  توفير ورقة تفاوضية للفلسطينيين

يمكن للقرار، إذا أحسن الفلسطينيون توظيفه، أن يُستخدم كإطار تفاوضي لتحسين موقعهم في نقاشات “اليوم التالي”؛ من خلال:

بهذا يصبح القرار — رغم طبيعته الإشكالية — أداة ضغط محتملة بدل أن يكون عبئًا.

خامسًا: النتائج السلبية ومواطن الخطورة

على الرغم من أن القرار 2803 يحمل بعض الفرص المحدودة، فإن مخاطره وتداعياته السلبية تبقى أكبر بكثير، خصوصًا إذا جرى تطبيقه وفق التفسيرات الإسرائيلية أو في ظل ميزان قوى يميل لصالح الاحتلال، ويمكن تلخيص أبرز مناطق الخطورة في النقاط الآتية:

  1.  شرعنة الاحتلال بصيغة “المرحلة الانتقالية”

يتيح القرار للكيان الإسرائيلي فرصة لإعادة تعريف وجوده العسكري في غزة ليس كاحتلال — وهو وصف قانوني يحمّلها التزامات كبيرة — بل كـ طرف مشارك في ترتيبات انتقالية دولية.

وهذا التحول يحمل آثارًا خطيرة:

بهذه الصيغة يصبح الاحتلال أكثر قبولًا دوليًا، حتى لو بقي فعليًا على الأرض.

2.  تحويل غزة إلى نموذج كوسوفو أو البوسنة

إن الإشارة إلى “ترتيبات انتقالية” دون سقف زمني أو مرجعية سياسية واضحة تفتح الباب لتكرار نماذج:

وتكمن الخطورة هنا في أن تتحول الإدارة الانتقالية إلى نظام دائم بحكم الواقع، بحيث:

تتوزع السلطات بين هيئات دولية،ويُهمَّش الدور الفلسطيني، ويتحول القطاع إلى منطقة مُدارة دوليًا دون سيادة حقيقية.

هذا السيناريو يتوافق مع أهداف حكومة الاحتلال في منع نشوء كيان فلسطيني موحد وقادر.

3.  إقصاء منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية

يتيح القرار، بصيغته الحالية، إمكانية خلق جسم إداري بديل لإدارة غزة، سواء عبر:

وهذا ينسجم مباشرة مع الرؤية الإسرائيلية القائمة على:

بهذا يمكن لحكومة الاحتلال الدفع نحو بديل سياسي موازٍ يحوّل غزة إلى كيان منفصل عن النظام السياسي الفلسطيني.

4.  تكريس واستدامة الانقسام الفلسطيني

إذا دخل قطاع غزة في مسار إدارة انتقالية منفصلة، فإن ذلك سيفضي إلى:

وهذا يتوافق تمامًا مع الاستراتيجية الإسرائيلية الممتدة منذ 2007، والتي تقوم على فصل غزة عن الضفة لمنع تشكّل كيان فلسطيني موحد.

5. غموض مصطلح “الاستقرار الأمني”

يُعد هذا المصطلح أحد أكثر أدوات الإبهام في القرار، ويمكن للكيان الإسرائيلي — بدعم بعض الأطراف الدولية — تفسيره بما يخدم أهدافها، بما في ذلك:

وبذلك يتحول “الاستقرار الأمني” من هدف لحماية المواطنين العُزل إلى شرط سياسي وأمني يتحكم في حياة السكان ومستقبل القطاع.

سادسًا: التداعيات على القضية الفلسطينية

يمثل القرار 2803 محطة قد تُسهم — إذا طُبّق وفق الرؤية الإسرائيلية — في إعادة تعريف جوهر الصراع الفلسطيني، وتحويل اتجاهاته السياسية والقانونية والإقليمية، وتنعكس هذه التحولات في أربعة مسارات رئيسة:

  1.  على مسار التحرر الوطني

يتضمن القرار تحولًا خطيرًا في طبيعة تعريف القضية الفلسطينية، إذ ينتقل بها من إطارها التاريخي كقضية تحرر من احتلال استعماري إلى إطار: (إدارة مدنية، ترتيبات انتقالية، وحوكمة خدمات).

هذا التحول:

وبذلك يتحول الصراع إلى عملية تقنية–بيروقراطية تعالج أعراض الاحتلال، بينما يتراجع الحديث عن إنهاء الاحتلال نفسه.

2.  على وحدة النظام السياسي الفلسطيني

من شأن القرار، بصيغته الحالية، أن يضعف بنية النظام السياسي الفلسطيني من ثلاث زوايا:

  1. تهميش منظمة التحرير باعتبارها الممثل السياسي المعترف به دوليًا،
  2. إضعاف السلطة الفلسطينية عبر تجاوزها ضمن ترتيبات انتقالية جديدة،
  3. تكريس الانقسام إذا أصبحت غزة محكومة بإدارة دولية أو صيغة إدارية منفصلة.

وهذا قد يؤدي إلى ظهور: (كيانات موازية،أو شرعيات سياسية متنافسة،أو منظومة إدارة جديدة تُبنى فوق البنية الوطنية الفلسطينية، لا من داخلها).

بذلك يتحول القرار إلى عامل يعمّق أزمة الشرعية بدل حلّها.

3. على ملف إعادة الإعمار

يحمل القرار تأثيرات مباشرة على عملية إعادة الإعمار، أهمها:

وفي هذا السياق، قد يصبح الإعمار:

4.  على المشهد الإقليمي

يُعيد القرار صياغة دور الفواعل الإقليمية — خصوصًا مصر وقطر والسعودية والإمارات — عبر وضعها ضمن إطار دولي واسع، بحيث: (تتراجع المبادرات العربية المستقلة، وتتحول الأدوار الإقليمية إلى جزء تابع لهندسة دولية أكبر، وتزداد الضغوط على الدول العربية لقبول ترتيبات لا تعبّر بالضرورة عن رؤيتها أو مصالحها).

كما قد يؤدي هذا المسار إلى:

سابعًا: السيناريوهات المحتملة

  1.  سيناريو الإدارة الدولية الكاملة (احتمال ضعيف)

ورغم ضعف فرص تحققه إلا أنه يُناقش في بعض الدوائر الدبلوماسية كخيار نظري لحسم التعقيدات القائمة، يتطلب هذا السيناريو توافقًا دوليًا واسعًا وتمويلاً مستدامًا، إضافة إلى قبول فلسطيني وإقليمي—وهو ما يجعله بعيدًا عن الواقع، كما أنه سيناريو محفوف بمخاطر تحويل غزة إلى “فضاء إدارة أزمات” بدل مسار سياسي وطني.

2.  سيناريو الإدارة الهجينة: دولية–عربية–فلسطينية

وهو الأكثر تداولًا في النقاشات الجارية، ويُطرح كحل وسط يوازن بين الشرعية الدولية والمشاركة العربية والدور الفلسطيني، غير أن تركيبته المركّبة تجعل منه إطارًا قابلًا للتسييس، وقد يؤدي عمليًا إلى تهميش الفاعل الفلسطيني لصالح هيئات دولية وعربية ذات تأثير أكبر على القرار والتمويل.

3.  سيناريو الاحتلال المقنَّع

يبقى الكيان الإسرائيلي طرفًا ضامنًا “للأمن” من الخلف، بينما يُسند الجانب المدني إلى الأمم المتحدة والوكالات الدولية، ويمثل هذا السيناريو الخيار الأقرب لمصلحة تل أبيب لأنه يحقق لها السيطرة الأمنية دون تكاليف الاحتلال المباشر، ويضعف قدرة الفلسطينيين على بناء سلطة مستقلة أو صياغة قرار تنموي وسياسي مرتبط برؤية وطنية.

4.  سيناريو عودة إدارة فلسطينية موحدة

هو الأقل احتمالًا في الظروف الحالية، لكنه الأكثر ضرورة للحفاظ على المشروع الوطني وبناء بيئة مستقرة ومستدامة للحكم وإعادة الإعمار، نجاحه مرهون بإنهاء الانقسام، وتوافق وطني داخلي، وضمانات دولية تدعم المسار الفلسطيني بدل تجاوزه.

الخلاصة

يكشف قرار مجلس الأمن 2803 عن تحوّل نوعي في المقاربة الدولية تجاه غزة، من إطار يُفترض أنه لوقف إطلاق النار إلى منصة لإعادة هندسة المشهد السياسي والأمني والحوكمي في القطاع .

فالقرار، بصيغته الحالية، يرسّخ انتقالًا خطيرًا من منطق القضية الوطنية إلى منطق الإدارة الدولية، ويضع مستقبل غزة في قلب ترتيبات متعددة الأطراف تتقدم فيها الحسابات الأمنية والسياسية للدول المانحة على حساب الإرادة الفلسطينية.

ورغم تعدد الجهات المنخرطة في تنفيذ القرار، فإن الكيان الإسرائيلي يبقى المستفيد الأكبر، سواء عبر إبقاء دوره الأمني من الخلف، أو من خلال تحويل الإعمار والمساعدات إلى أدوات ضغط لإعادة تشكيل البيئة الداخلية في غزة وفق شروطها.

 وفي المقابل، يواجه الفلسطينيون خطر تآكل وحدتهم السياسية وتهميش مؤسساتهم الوطنية، إذا لم يتم التعامل مع القرار باعتباره ساحة صراع سياسي لا مجرد مسار تقني لإدارة مرحلة ما بعد الحرب.

تظهر السيناريوهات المحتملة أن مستقبل غزة لن يُحسم بترتيبات دولية فوقية، وأن أي هندسة مستقرة لما بعد الحرب ستظل رهينة دور فلسطيني موحد قادر على إعادة بناء الشرعية وتوجيه الشركاء الدوليين بدل الارتهان لهم، وفي غياب هذا الدور، قد تتحول غزة إلى نموذج إدارة أمنية–دولية طويلة الأمد، يكرّس الانقسام ويُضعف المشروع الوطني.

وعليه، فإن التحدي المركزي أمام الفلسطينيين اليوم هو تحويل القرار 2803 من أداة لإعادة إنتاج الوصاية الدولية إلى فرصة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، وفرض مقاربة وطنية لمرحلة ما بعد الحر، و دون ذلك، سيبقى مستقبل القطاع مرهونًا بتوازنات الخارج، لا باختيارات الفلسطينيين أنفسهم.

التـــوصيــــات

ربط إعادة الإعمار بالحقوق الأساسية ومنع ربط المساعدات الإنسانية بشروط أمنية غير عادلة، ومراقبة الشركات الأجنبية العاملة في القطاع لضمان الشفافية وعدم تحويل الإعمار إلى أداة ابتزاز.

توحيد القرار الوطني وإعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير، وضمان مشاركة جميع الفصائل في صياغة الموقف الوطني بشأن إدارة غزة بعد الحرب.

بناء استراتيجية تفاوضية فعّالة واستخدام القرار كورقة ضغط تفاوضية مع الأمم المتحدة والدول الكبرى، والمطالبة بدور فلسطيني واضح في أي ترتيبات انتقالية، مع سقف زمني محدد.

حماية القطاع المدني ومراقبة أي ترتيبات ترتبط بالإعمار أو الأمن، لضمان أن تكون ضمن أطر فلسطينية وحقوقية واضحة، وإنشاء لجان محلية لمتابعة توزيع المساعدات والرقابة على الشركات الأجنبية لضمان الشفافية وعدم استغلال الموارد.

توحيد الموقف العربي والتنسيق بين الدول العربية لتقديم موقف عربي متماسك أمام الأمم المتحدة، ورفض أي ترتيبات تقلّص الدور الفلسطيني أو تفرض إدارة خارجية أحادية.

تعزيز الضغط السياسي واستخدام القنوات الدبلوماسية لمنع تحويل القرار إلى إطار شرعنة الاحتلال، وربط أي دعم لإعادة الإعمار بضمان احترام السيادة الفلسطينية وحقوق السكان.

الاعتراف القانوني بالاحتلال والتذكير بأن غزة ما تزال أرضًا محتلة، وأن أي ترتيبات انتقالية لا تلغي التزامات الاحتلال بموجب القانون الدولي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *