تحليل رقمي.. الإبادة الجماعية في قطاع غزة

شارك هذا المقال

ملخص: يكشف التحليل عن سبعة مسارات استراتيجية شكّلت ملامح الفضاء الرقمي العالمي خلال الإبادة الجماعية على غزة، أبرزها هيمنة حدث غزة بوصفه القضية التفاعلية الأوسع عالمياً لعامين متتاليين، وصعود الرواية الإنسانية الفلسطينية مقابل تراجع الرواية الإسرائيلية نتيجة أزمات التضليل.

كما يبرز تضخم حملات الدعاية الممنهجة، وتحول المزاج العالمي نحو العدالة وحقوق الإنسان، خاصة في الغرب.
وسجّل الإعلام الدولي انتقالاً تدريجياً من الخطاب الأمني إلى الحقوقي، بالتوازي مع تصاعد دور المجتمع المدني العالمي، وتبلور حاجة ملحّة لمنظومات تحقق رقمية لحماية السرديات وتثبيت الأدلة.

تحليل رقمي:

حرب الإبادة على قطاع غزة..

تحولات الوعي، خرائط التضليل، وإعادة تشكيل الرأي العام الدولي

إصدار:

المركز الإقليمي لرصد الفضاء الرقمي

ديسمبر 2025

مقدمة تحليلية:

شهد الفضاء الرقمي العالمي منذ اندلاع حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة واحدة من أضخم موجات التفاعل المعلوماتي في تاريخ الإنترنت الحديث، ولم تكن القضية الفلسطينية في أي محطة سابقة مركزاً بهذا الحجم والثقل في هندسة الخطاب العالمي وصناعة الرأي العام الدولي، لكنها خلال العامين 2024–2025 تحولت إلى الحدث الرقمي الأكبر عالمياً، وإلى ساحة مركزية لإعادة تعريف مفاهيم الأخلاق والعدالة وحقوق الإنسان.

فتحت هذه الحرب الباب أمام انفجار غير مسبوق في إنتاج المحتوى الرقمي، وتدفقت مليارات المشاهدات والتفاعلات على منصات التواصل الاجتماعي، واصطدمت روايات متضادة، ونشأت موجات عاطفية وسياسية وحقوقية عابرة للقارات، وظهرت منظومات تضليل مُركّبة سعت لطمس الحقائق، مقابل موجات تقصٍّ وتوثيق وصحافة شعبية هائلة نجحت في إعادة رسم حدود النقاش الدولي.

يعتمد هذا التحليل الرقمي، الذي يقدمه المركز الإقليمي لرصد الفضاء الرقمي، على منهجيات علمية تجمع بين التحليل الكمي والنوعي، ورصد الشبكات الرقمية، وتحليل الاتجاهات، وتتبع حملات التضليل، ودراسة ديناميات التأثير العالمي. وقد أشرف على صياغته فريق من الباحثين والخبراء في الإعلام الرقمي والهندسة الاجتماعية وتحليل البيانات من بيروت ولندن وفلسطين وماليزيا وجنوب إفريقيا والبرازيل.

هذا الإصدار لا يكتفي بوصف ما جرى، بل يتجاوز ذلك إلى تقديم قراءة تفسيرية مُعمّقة حول التحولات الإقليمية والدولية التي انعكست في الفضاء الرقمي، وكيف أعادت حرب غزة تشكيل الإدراك العالمي للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، ورسّخت للمرة الأولى سردية إنسانية–حقوقية تتجاوز الروايات التقليدية للدول الكبرى.

الملخص التنفيذي:

يكشف هذا التحليل عن سبعة مسارات استراتيجية شكّلت العمود الفقري للمشهد الرقمي العالمي خلال حرب الإبادة على غزة:

1.    هيمنة حدث غزة على الفضاء الرقمي باعتباره أكبر ملف تفاعلي عالمي يستمر لعامين متتاليين دون توقف، حيث تجاوزت مشاهدات المحتوى المرتبط بغزة عدة مليارات، وسط أربع موجات تفاعل كبرى.

2.    صعود الرواية الإنسانية الفلسطينية على حساب الرواية الإسرائيلية التي واجهت انهياراً واسعاً في الثقة بسبب فضائح التضليل وسوء إدارة المعلومات.

3.    تضخم شبكات التضليل الإسرائيلية عبر خمس لغات مركزية وأكثر من 72 ألف إعلان ممول، إضافة إلى 93 حملة تحريض وتزييف منظم.

4.    تحول المزاج العالمي باتجاه العدالة وحقوق الإنسان، حيث أظهر تحليل المشاعر أن دعم القضية الفلسطينية بلغ ذروات غير مسبوقة في أوروبا الغربية وأمريكا اللاتينية وداخل الولايات المتحدة الأمريكية.

5.    شهد الإعلام الدولي تحوّلات جوهرية؛ إذ انتقل تدريجياً من خطاب أمني منحاز إلى خطاب إنساني ثم حقوقي صارم، مدفوعاً بتراكم الأدلة الميدانية وضغط موجات الاحتجاج العالمية. وقد مثّل هذا التحوّل واحداً من أبرز مظاهر إعادة تشكيل الوعي الدولي، ودليلاً على اهتزاز حقيقي في بنية النظام الإعلامي والسياسي العالمي أمام ثقل الحقائق القادمة من غزة.

6.    صعود المجتمع المدني العالمي كفاعل رئيسي يتفوق في تأثيره على حكومات كبرى.

7.    تبلور الحاجة إلى منظومات تحقق ورقابة رقمية لمواجهة موجات التضليل وتثبيت الأدلة القانونية عبر بيانات وصفية موثوقة.

هذا التحليل يمثل مرجعاً مركزيّاً لفهم بنية الخطاب الرقمي العالمي خلال حرب الإبادة الجماعية، وأداة بحثية يمكن البناء عليها في تطوير استراتيجيات المواجهة الرقمية وحماية السرديات الإنسانية.

أولاً: المشهد الرقمي العالمي – الحجم، الاتجاهات، والذروات:

1. حجم التفاعل العالمي:

أظهرت بيانات المركز أن منصات X وتيك توك ويوتيوب سجلت مستويات قياسية من التفاعل مع محتوى الحرب على غزة، إذ تجاوز عدد المواد المنشورة (النصوص، الصور، الفيديوهات) ملياري مادة خلال العامين 2024–2025. كما تخطت الوسوم المرتبطة بغزة حاجز 6 مليارات ظهور تراكمي على منصة X وحدها.

شكّل المحتوى المرئي نحو 67% من إجمالي المواد المتداولة، وهي نسبة تعكس دلالة مركزية. الحرب على غزة كانت ميداناً بصرياً مكشوفاً، حيث لعبت الصور ومقاطع الفيديو دوراً أساسياً في توجيه الخطاب الإنساني العالمي.

2. الذروات الزمنية الأربع:

رصد التحليل أربع موجات رئيسية:

1.    موجة الصدمة الأولى عند بدء حرب الإبادة الجماعية، وظهور الدمار الهائل واستهداف العائلات والبيوت.

2.    موجة التوثيق الميداني التي ظهر خلالها المحتوى الإنساني بشكل انفجاري.

3.    موجة الغضب الحقوقي والسياسي الدولي مع تصاعد الأصوات القانونية بشأن جرائم الحرب.

4.    موجة تقارير الأمم المتحدة التي أكدت عناصر الإبادة الجماعية، وأعادت تشكيل النقاش الحقوقي العالمي.

3. خصائص المحتوى الأكثر انتشاراً:

•      تصدر المحتوى الميداني (الإنقاذ، الشهادات، الاستغاثات).

•      تفوق المحتوى الإنساني على السياسي بنسبة 7 : 1

•      تصاعد الاهتمام العالمي بتفنيد التضليل وكشف ادعاءات سلطات الاحتلال الإسرائيلي الزائفة، مما ساهم في انهيار الثقة بالرواية الرسمية الإسرائيلية.

ثانياً: تحليل الروايات المتداولة:

1. الرواية الفلسطينية العالمية:

تمحورت الرواية الفلسطينية العالمية حول الإبادة الجماعية، الحصار الطويل، استهداف المدنيين، وانهيار القطاع الصحي. وقد لعب المحتوى الميداني دوراً مركزياً في منح الرواية الفلسطينية قوة غير مسبوقة في الفضاء الرقمي العالمي.

2. الرواية الإسرائيلية:

اعتمدت الرواية الإسرائيلية على خطاب “محاربة الإرهاب” مدعوماً بآلة دعائية رسمية ومنصات ممولة. إلا أنها واجهت تراجعات متتالية بسبب توثيق عمليات التزييف، وفضائح التضليل التي كشفتها مؤسسات إعلامية دولية.

3. الرواية الغربية الإعلامية:

انقسمت إلى اتجاهين:

•      اتجاه مهني ركز على الجانب الإنساني.

•      اتجاه مؤسساتي تبنى سردية سلطات الاحتلال الإسرائيلي في الأسابيع الأولى قبل أن يخضع لضغط الأدلة البصرية والحقوقية.

4. رواية المجتمع المدني العالمي:

تمحورت رواية المجتمع الدولي العالمي حول العدالة وحقوق الإنسان والإبادة الجماعية، وكانت أكبر موجة احتجاج رقمي عالمي منذ حرب فيتنام.

ثالثاً: خريطة التضليل الرقمي:

1. حجم التضليل:

رصد المركز أكثر من 93 حملة منظمة للتضليل أشرفت عليها سلطات الاحتلال الإسرائيلي، و72 ألف إعلان ممول عبر خمس لغات رئيسية.

أظهرت التحليلات أن المحتوى التضليلي شكل بين 58–63% من المواد المنشورة من حسابات غير موثوقة.

2. أنماط التضليل:

شملت:

•      تزييف صور وفيديوهات.

•      اختلاق روايات مكتوبة بلا مصادر.

•      تضخيم عبر شبكات آلية وحسابات متزامنة.

•      شراء مساحات إعلانية لاستهداف جمهور محدّد.

3. الشبكات المركزية:

تم كشف 8 شبكات مركزية مرتبطة بجهات إسرائيلية ووحدة 8200 التي تديرها الحكومة الإسرائيلية، شكلت ما يزيد عن 35% من التغذية التضليلية في العينة المدروسة.

رابعاً: اتجاهات الرأي العام العالمي:

1. المزاج الدولي:

أظهر تحليل المشاعر أن 66% من الجمهور العالمي يرى بأن الأراضي الفلسطينية محتلة، وأن ما يجري في غزة يشكل جرائم حرب.

وصلت نسبة التعاطف العالمي مع غزة خلال ذروة المجازر إلى 72%.

2. جغرافيا التضامن:

•      أوروبا الغربية أظهرت تضامناً شعبياً كبيراً يفوق مواقف حكوماتها.

•      الولايات المتحدة شهدت انقساماً داخلياً واحتجاجات غير مسبوقة، خاصة في الجامعات.

•      أمريكا اللاتينية كانت الأكثر دعماً.

•      دول آسيوية وإفريقية أظهرت تفاعلاً بنسبٍ أقل.

3. العوامل المحفّزة:

•      محتوى الشهادات الميدانية.

•      تقارير المنظمات الدولية.

•      استهداف المستشفيات والمراكز الصحية.

•      التناقض بين الروايات الميدانية والتغطية الإسرائيلية/الأمريكية.

خامساً: التغطية الإعلامية الدولية:

1. الإعلام الغربي:

واجه ضغوطاً شعبية كبيرة أجبرته على التحوّل نحو خطاب إنساني ثم حقوقي، وتزايدت التحقيقات الاستقصائية حول التضليل الإسرائيلي.

2. الإعلام العربي:

حافظ على تغطية إنسانية مستمرة، وكان الأكثر التصاقاً بالميدان.

3. الإعلام العبري:

اعتمد على استراتيجية “التبرير الدفاعي”، وشارك بشكل فعال في نشر التضليل.

سادساً: تحليل شبكات النفوذ الرقمية:

1. العُقد الأكثر تأثيراً:

برز صحفيون دوليون، محامون، مؤسسات حقوقية، وشخصيات أكاديمية، مقابل تراجع واضح لدور الإعلام التقليدي في ذروة الأحداث.

2. الحملات المُنظمة:

رُصدت حملات تضليل واسعة النطاق تجاوزت 120 ألف منشور مكرر خلال 48 ساعة في حملة واحدة ركزت على نفي جريمة التجويع التي مارستها سلطات الاحتلال الإسرائيلي ضد السكان المدنيين في قطاع غزة.

سابعاً: الاستنتاجات الكبرى:

1.    غزة كانت الحدث الرقمي الأول عالمياً لعامين متتاليين دون انقطاع.

2.    تعرضت الرواية الإسرائيلية لانهيار ثقة غير مسبوق.

3.    الإعلام الدولي تحول من خطاب أمني إلى إنساني ثم قانوني.

4.    التضليل واسع لكنه لم ينجح في السيطرة على السردية العالمية.

5.    المجتمع المدني العالمي أصبح لاعباً رئيسياً.

6.    الفضاء الرقمي تحول إلى ساحة توثيق ميداني للجرائم.

7.    هناك تحوّل جوهري في نظرة شعوب العالم للصراع الفلسطيني.

ثامناً: التوصيات المركزية:

1.    إنشاء غرف تحقق فوري لرصد الادعاءات.

2.    إطلاق منصات توثيق بصري ببيانات وصفية.

3.    إعداد تقارير دورية لاتجاهات السرديات الرقمية.

4.    استخدام تحليل الشبكات لكشف الحملات المنظمة.

5.    بناء شراكات مع مؤسسات حقوقية دولية.

6.    تعزيز الرصد الميداني وربطه بقواعد بيانات مركزية.

الخاتمة:

يؤكد هذا التحليل الرقمي أن الحرب على غزة تحولت إلى ظاهرة معلوماتية عالمية أعادت تشكيل إدراك الشعوب، وأنها لم تكن مجرد حدث سياسي أو عسكري، كما وتسببت في تغيرات عميقة في الإعلام الدولي، وكشفت عن حجم التضليل المنهجي الذي تمارسه سلطات الاحتلال الإسرائيلي. كما أثبتت أن الفضاء الرقمي بات خط الدفاع الأول عن الحقيقة، وساحة صلبة لتوثيق الجرائم، ورافعة مركزية للوعي العالمي.

إن هذا التقرير يمثّل خطوة أولى في بناء منظومات بحثية قادرة على رصد التفاعلات الرقمية المستقبلية، وتشكيل خطاب عالمي يستند إلى الحقيقة والعدالة وحقوق الإنسان.

إصدار: المركز الإقليمي لرصد الفضاء الرقمي

ديسمبر 2025

شاهد التقرير ←

المركز الإقليمي لرصد الفضاء الرقمي – DIGISCOPE

المقر الرئيس: بيروت – لبنان

المركز الإقليمي لرصد الفضاء الرقمي مؤسسة بحثية وتحليلية متخصصة تُعنى بمتابعة التحولات داخل البيئة الرقمية وتحليلها على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.

عناوين التواصل:

البريد الالكتروني:

ربما يعجبك أيضاً