المركز الإقليمي لرصد الفضاء الرقمي
يناير 2026
مقدمة:
التدخل بوصفه مشروعاً لا حدثاً
منذ اندلاع الحرب في اليمن عام 2015، لم يكن الدور الإماراتي مجرد مساهمة ضمن تحالف عسكري تقوده السعودية، بل تطوّر تدريجياً ليصبح مشروع تدخل مستقل له أهدافه وأدواته ومساراته الخاصة. هذا المشروع لم يقتصر على البعد العسكري المباشر، بل شمل إعادة هندسة المجالين الأمني والسياسي في جنوب اليمن وسواحله، بما أنتج واقعاً جديداً قائماً على تفكيك الدولة اليمنية، وتعدد مراكز القوة، وتكريس الفاعلين المسلحين من خارج الإطار السيادي.
هذا التحليل ينطلق من قراءة تراكمية للوقائع الميدانية، والخرائط العسكرية، والتقارير الأممية والحقوقية، والتغطيات الاستقصائية الدولية، مع رصد رقمي لنمط الخطاب الإماراتي ومخرجاته العملية.
أولاً:
الإطار النظري – التدخل الوظيفي لا التحالفي:
يمكن توصيف الدور الإماراتي في اليمن بوصفه تدخلاً وظيفياً، لا تحالفياً تقليدياً. أي أن الإمارات لم تعمل على تعزيز الدولة اليمنية المركزية، بل ركزت على بناء قوى محلية موازية، والتحكم بالمواقع الجيوسياسية الحساسة (الموانئ، الجزر، السواحل)، مع فصل مسارها عن مسار الحكومة الشرعية والتحالف ذاته.
هذا النمط يختلف عن التدخل العسكري المباشر قصير الأمد، ويقترب أكثر من إدارة صراع منخفض الشدة طويل الأمد.
ثانياً: خريطة التشكيلات المسلحة المدعومة إماراتياً في اليمن:
أحد أبرز تجليات الدور الإماراتي هو إنشاء وتمويل وتسليح تشكيلات مسلحة خارج وزارتي الدفاع والداخلية اليمنيتين.
جدول (1): أبرز التشكيلات المدعومة إماراتياً
| م | التشكيل | منطقة النشاط | طبيعة الدور | ملاحظات |
| 1 | الحزام الأمني | عدن، لحج، أبين | أمني/عسكري | سيطر على مفاصل عدن، وواجه قوات الحكومة |
| 2 | النخبة الحضرمية | حضرموت | أمني | خارج سلطة وزارة الداخلية |
| 3 | النخبة الشبوانية | شبوة | عسكري | اصطدمت بقوات الجيش اليمني |
| 4 | قوات الدعم والإسناد | عدن | قتالي | ذراع ميدانية للمجلس الانتقالي |
| 5 | المجلس الانتقالي الجنوبي (سياسي–عسكري) | الجنوب | سياسي/عسكري | مشروع انفصالي معلن |
ثالثاً: السيطرة على الجغرافيا – الموانئ والجزر:
1. الموانئ: ركزت الإمارات على موانئ استراتيجية:
• ميناء عدن
• ميناء المكلا
• ميناء المخا
تم ذلك عبر:
• إدارة أمنية مباشرة.
• إبعاد الحكومة اليمنية عن القرار التشغيلي.
• تعطيل المنافسة مع موانئ إقليمية.
2. الجزر
جزيرة سقطرى تمثل النموذج الأوضح:
• وجود عسكري وإداري إماراتي مباشر.
• إنشاء مرافق دون تنسيق سيادي.
• رفع أعلام غير يمنية في فترات متعددة.
• دعم سلطة محلية موازية.
هذا السلوك دفع دول ومنظمات دولية لوصف ما يجري بأنه إدارة خارجية فعلية لأراضٍ يمنية.
رابعاً: السجون السرية والانتهاكات الحقوقية:
وثّقت أكثر من 14 منظمة دولية مختلفة، أبرزها:
• هيومن رايتس ووتش
• العفو الدولية
• خبراء الأمم المتحدة المعنيون باليمن
وجود سجون سرية تشرف عليها الإمارات أو تدعمها في كل من:
• عدن
• المكلا
• بلحاف
• مطار الريان
مع تسجيل:
• اعتقالات تعسفية
• إخفاء قسري
• تعذيب ممنهج
وهو ما يشكل انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني، ويقوّض أي ادعاء بدور “استقراري”.
خامساً: الصدام مع الحكومة الشرعية:
صنّف عشرات الخبراء الخلاف بين الإمارات والحكومة اليمنية بأنه خلافاً صداماً بنيوياً، وذلك من خلال:
• دعم انقلاب المجلس الانتقالي على الحكومة في عدن (2019).
• قصف طيران إماراتي لقوات الجيش اليمني في أبين.
• تعطيل عودة الحكومة لممارسة مهامها.
جدول (2): محطات الصدام
| م | السنة | الحدث | الدلالة |
| 1 | 2018 | التوتر في عدن | بداية القطيعة |
| 2 | 2019 | انقلاب المجلس الانتقالي | كسر الشرعية |
| 3 | 2023 – 2020 | تعطيل اتفاق الرياض | إدامة الانقسام |
سادساً: الخلاف الإماراتي–السعودي.. من التنسيق إلى التنافس:
رغم التحالف الظاهري، ظهرت تباينات جوهرية:
• السعودية: الحفاظ على يمن موحد اسمياً.
• الإمارات: دعم كيان جنوبي مستقل وظيفياً.
تجلّى ذلك في:
• اختلاف الموقف من المجلس الانتقالي.
• التنافس على الموانئ.
• تضارب الرؤى الأمنية في الجنوب.
أكثر من 100 تقرير دولي وصحفي وصفت العلاقة بأنها تنافس تحت سقف التحالف.
سابعاً: الامتداد الإقليمي – اليمن كنموذج يُعاد تصديره:
ما جرى في اليمن هو نموذج يُعاد إنتاجه إماراتياً، فللإمارات دورٌ وظيفيٌ واضحٌ في هذا الامتداد، على غرار تدخلاتها الإقليمية التالية:
1. ليبيا:
• دعم خليفة حفتر عسكرياً.
• خرق حظر السلاح الأممي.
• تغذية الانقسام السياسي.
2. السودان:
• دعم قوات الدعم السريع (حميدتي).
• ارتباط بالموانئ والذهب.
• إطالة أمد الحرب الأهلية.
3. القرن الإفريقي:
• إقامة ودعم وتمويل قواعد عسكرية (إريتريا).
• بناء نفوذ في موانئ جيبوتي وبربرة.
ثامناً: التحليل الرقمي للخطاب الإماراتي:
أعد المركز تحليلاً رقمياً وافياً عن القضية المطروحة، وخرجت نتائج غير متوقعة، وسيتم عرض التحليل الرقمي في تقرير منفصل، إلى جانب هذا التقرير التحليلي.
وباستعراض سريع لتحليل المحتوى الإعلامي الرسمي وشبه الرسمي يُظهر:
• خطاب “الاستقرار ومكافحة الإرهاب”.
• تغييب ذكر الدولة الوطنية.
• تبرير الفواعل المسلحة المحلية.
بينما الواقع الميداني يعكس:
• تفكيك المؤسسات.
• عسكرة المجتمع.
• تضارب الولاءات.
تاسعاً: التوصيف القانوني:
وفق القانون الدولي:
• دعم مليشيات خارج الدولة يُعدّ تدخلاً غير مشروع.
• إدارة سجون سرية تُعدّ جرائم جسيمة.
• السيطرة على أراضٍ دون تفويض تُعدّ انتهاكاً للسيادة.
وهي أفعال قد ترقى إلى مسؤولية دولية.
خاتمة التقرير: التدخل الذي ينتج الفوضى لا الاستقرار
يُظهر النموذج اليمني أن الدور الإماراتي لم يُنهِ الصراع، ولم يبنِ دولة، بل أعاد تشكيل الصراع بطريقة أكثر تعقيداً. يأتي ذلك التدخل على اعتبار أنه قصير الربح، وطويل الكلفة، وعالي المخاطر إقليمياً.
وهو ما يجعل من الضروري إعادة مساءلة هذا الدور الإماراتي على جميع المستويات، لا من باب الخصومة السياسية، بل من باب حماية استقرار الدول وسيادتها.
المركز الإقليمي لرصد الفضاء الرقمي
يناير 2026
